الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

510

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا نقول به ، فإن الوحدانية ليس معناها نفى وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره . إنما معناها نفى أن يكون لغيره شبه به في ذاته أو صفاته أو أفعاله . وأنتم يا أهل السنة لا تمنعون وجود ذوات لا تشبه ذاته ، ولا تمنعون وجود صفات لا تشبه صفاته ، فلم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعاله ؟ وهو ما يقول به في خلق العباد لأعمالهم ، فإنها لا تشبه أفعال اللّه بحال . هكذا تجد لكلتا الطائفتين وجهة نظر قوية وتأويلا سائغا فيما تؤوّله من النصوص المقابلة للنصوص التي بهرتها فرجحتها . ونجد أيضا أن كلتا الطائفتين لا تلتزم المحظور التي تحاول الأخرى أن تلزمها إياه في مقام الحجاج والجدال ، بل توجّه رأيها توجيها ينّأى بها عن الوقوع في المحظور . ثم نجد كلتا الطائفتين يتلاقيان أخيرا بعد طول المطاف عند نقطة الاعتقاد السديد بوحدانية اللّه وحكمة اللّه ، ولكن على الوجه الذي استبان لها وراج عندها . فكيف يرضى منصف إذا بتجريح إحداهما ورميها بأشنع التهم من كفر أو شرك أو هوى ؟ وما ذا علينا أن نرجّح ما نرجح من غير تسفيه للجانب الآخر ؟ بل ما ذا علينا أن نلوذ بالصمت ونعتصم بالسكوت فلا نخوض في أمثال هذه الدقائق العويصة ، والمسالك الملتوية البعيدة ؟ لا سيما أن الرحمن الرحيم لم يكلّفنا بها ولم يفرضها علينا . ولقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية اللّه وعدله . ويؤمنون بقدره وأمره . ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص . ويؤمنون بأن العبد يعمل ما يعمل وأن اللّه خالق كل شئ . ويؤمنون بأنه تعالى تنزّه في قدره عن أن يكون مغلوبا أو عاجزا وتنزّه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالما أو عابثا . ثم بعد ذلك يصمتون فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة اللّه ونصيبه من قدرة العبد . ولا يتعرضون لبيان مدى ما يبلغ فعل اللّه في قدره ، ولا لبيان مدى ما يبلغ